فوزي آل سيف
82
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
والمفروض هنا أن كل هذه الأمور يمكن أن يطلق عليها أنها أمانة وأن الشخص الذي حصل عليها هو مؤتمن عليها فينبغي أن يلتزم بما جاء في كتاب الله (لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[177]إلا أن البعض قد يلجأ إلى الطريق الخاطئ، فيخونون هذه الأسرار، ويكشفونها، إما على سبيل الابتزاز، والتهديد بأنه: إما أن يحقق الضحية للمبتز مصالح معينة كالمال مثلا أو غيره، وإما أن يكشف معلوماته التي يضره كشفها! أو حتى لو لم يكن لأجل الابتزاز وإنما لأجل تحطيم شخصيته ووجوده الاجتماعي! وفي كثير من الأحيان توظف الجهات السياسية هذا الأمر في الايقاع بين الناس بمعنى أنها تستقطب شخصًا كان مع جماعة معينة وتغريه بالمال أو المنصب لو تكلم عن خصوصيات تلك الجماعة! أو تشتري منه جهة ما ـ بهذا العنوان ـ حقوق مذكراته السياسية أو الاجتماعية ـ فيكتب هذا وتنشر تلك أن فلانًا فعل كذا، أو قال كذا! وأحيانا يرتب الأثر على هذه الكتابات بسجن فلان، أو تهديم شخصيته! أو غير ذلك! هذه من خيانة الأمانة! ومن خيانة المجالس! فمن الذي سمح لك بأن تنقل عني كلامًا لا أرغب في نقله؟ ومن الذي أجاز لك ذلك؟ لا سيما وهو يسبب أذيتي أو أذية أهلي؟ لو أراد إنسان أن ينقل عن حياته ما شاء من حَسن وسيء فقد لا يعاتبه أحد ولا يعترضه غيره، أمّا أن ينقل أن فلانًا أخذ شيئًا مني أو قال كلامًا هو كذا وكذا! أو فعل هذا الفعل، فلا يخلو أن ينطبق عليه أحد العناوين من الافتراء ـ لو كان النقل كاذبًا ـ أو الغيبة لو كان صحيحا وكان يسيء للمنقول عنه أو هو من عناوين أذية المسلم لو كان يحقق له تلك الأذية! قاعدة المجالس بالأمانة: من هنا ولأجل مواجهة هذا المرض الأخلاقي فقد تقرر في الشريعة الإسلامية، وعند الفقهاء قاعدة أخلاقية وشرعية فقهية. أن "الْمَجَالِس بِالأمانات"، أو "الْمَجَالِسُ بِالأمانة". ومعنى ذلك أن المجالس التي تدور فيها أحاديث مبنية على أن تحفظ في دائرة أصحابها، فلا يجوز لأحد منهم أن يخرجها خارج هذه الدائرة حفاظا على خصوصية أصحابها، إلا إذا ترتب عليها ضرر أكبر على آخرين، أو اقتحام لحدود الله عز وجل.. فقد جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله كما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «المَجالِسُ بِالأمانة، إلّا ثَلاثَةَ مَجالِسَ: مَجْلِسٌ يُسْفَكُ فِيهِ دَمٌ حَرامٌ، ومَجْلِسٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ فَرْجٌ حَرامٌ، ومَجْلِسٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ مالٌ مِن غَيْرِ حَقٍّ[178]» وأيضًا عنه صلى الله عليه وآله: المجالس بالأمانة، ولا يحل لمؤمن أن يأثر عن مؤمن أو قال: عن أخيه المؤمن قبيحًا. ويشير إلى أنه: إنما يتجالس المتجالسان بأمانة الله، فلا يحل لاحدهما أن يفشي على أخيه ما يكره [179].
--> 177 الأنفال: 27 178 مسند أحمد مخرجا ٢٣/٤٥ وفي غيره كسنن أبي داود، ومعجم الطبراني والجامع الصغير وزيادته للسيوطي. 179 (الحديث وما قبله من ميزان الحكمة1/ 398